فخ نرجس

فخ نرجس
فخ نرجس

– سمية بجد… أنا مش عارفة أقول لك إيه علشان اللي حصل، أقصد يعني…

قاطعتها سمية بسؤالها:

– ينفع أشتغل هنا معاكِ؟

– هزَّت سماء رأسها بعدم تصديق وأخذت تردد:

– تشتغلي معانا… تشتغلي معانا… ليه لأ؟! والله فكرة، بس اسمعي قومي دلوقتي روحي البيت وبكرة اختاري فستان حلو واعملي شعرك وتعالي الضهر قابلي المدير، أكون كلمته… هو قال إنه محتاج موظفين.

أومأت سمية بالموافقة وابتسمت ثم خفتت ابتسامتها بعدما تذكرت ما ينتظرها في المنزل:

– أنا خايفة أرجع البيت، سامح ممكن يبهدلني هو وماما أنا خايفة أوي.

نظرت لها سماء بيأس ثم لمعت داخل رأسها فكرة، فقالت لسمية:

– قلتِ لي بقى سامح خاف منك لما ضربتيه!

– يا خبر! ده اترعب وجري، وفضل ينده على ماما ولما ملقهاش خرج من البيت خالص.

– حلو أوي ده… استمري على كده بقى.

– مش فاهمة! يعني أضربه تاني؟ لأ، أخاف.

أشاحت سماء بوجهها ثم عادت تنظر من جديد لشقيقتها وتشرح لها خطتها:

– اسمعي… مش هتضربي حد، لكن هتخليه يخاف منك زي ما عملتِ النهاردة، والله بقى فهميهم إنك اتجننتِ ولا حتى اتلبستِ مش مهم وسيبي الباقي عليَّ.

استمرت سماء في شرح مخطط الجنون الذي ستنفذه سمية، وأخبرتها أن عقلية والدتهما وشقيقهما ستتقبل الأمر نظرًا لعدة أسباب ستقوم سماء بإيضاحها فيما بعد إن نجحت سماء في إتقان دورها.

وصلتا للمنزل وانتظرت سمية أسفله بينما صعدت سماء ودخلت من باب الشقة تستطلع حالة سامح ونرجس، فوجدتهما على صفيح ساخن ينتظران سمية للانقضاض عليها، أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة إلى شقيقتها التي ترتعد وتتمنى بأن يصير ذلك كله كابوسًا، أخبرتها أن تصعد، ودخلت سمية من باب الشقة في حالة مريبة جعلت سامح يتراجع بعدما كان قد تقدم إليها

ليسحبها من شعرها، فقد كانت تنظر له مبرقة العينين ووجه جامد وشعرها مهوش، وقفت تنظر له بهذه الهيئة لمدة دقيقة، ثم اقتربت منه بخطى ثابتة وكأنها ستهجم عليه من جديد لكنها استدارت من أمامه وعادت إلى غرفتها تتنفس الصعداء بعدما أغلقت بابها.

جلست سماء بجوار نرجس التي كانت تنظر لها بريبة، في عينيها الكثير من الأسئلة، بينما سماء تزم شفتيها وتحاول إثارة مشاعر أمها، ليست مشاعر الشفقة على سمية بل مشاعر الخوف… الخوف من والقيل والقال واللغط الذي سيحدث إن عرف الناس أن نرجس لديها ابنة مجنونة تهجمت على أخيها وربما تتهجم على الآخرين، كانت عكس بقية إخوتها تتفهم جيدًا عن نرجسية أمها فقد قرأت عن هذا الاضطراب وطبقت كل ما قرأته على علاقتها بها وبشقيقها، دائمًا تجد المدخل المناسب لتسخير أمها وتنفيذ طلباتها، وتجعلها تشعر في نفس الوقت أنها صاحبة القرار، لم تكن تدخل في صدام معها كما كانت تفعل سلمى، ولا تستسلم وتبكي كما اعتادت سمية لتجعلها تتغذى على مشاعر القهر التي لديها، بل كانت تستخدم الحيلة وتعرف نقاط الضعف لدى أمها وتستغلها لصالحها، تعرف جيدًا أن سامح هو الأكثر قربًا من نرجس لأنه يشبهها تمامًا، لا تعرف إن كان هذا التشابه بمحض الصدفة أم أنها أعدته ليكون خليفتها في هذا الأمر، ويكمل المسيرة من بعدها، تسرح بخيالها أحيانًا في مستقبل سامح وحياته إن تزوج، هل يمكن أن يرتبط بفتاة تقهره أم ستتكرر تلك المأساة من جديد، لدرجة أنها كانت تدعو الله أحيانًا أن يظل سامح رجل أعزب طوال حياته، لذلك كانت تعرف الخطة التي ستجعل نرجس توافق على أي طلب بخصوص سمية، فاقتربت منها وبدأت تسرد لها بتأثر شديد قصة وهمية من نسج خيالها كأنها حدثت بالفعل:

– النهاردة سمية جات لي الشغل وكان شعرها منكوش وشكلها غريب وعمالة تعيط وقالت لي إن سامح ضربها وخافت منه وجريت على الشارع.

نهض سامح منفعلًا وهو ينفي عن نفسه ما يقال:

– أنا؟ الكذابة دي كانت هتقتلني و…

شعر سامح بالإحراج من أنه هرب من سمية خوفًا منها فأثر الصمت، بينما أكملت نرجس بدلًا منه:

– حتى لو ضربها يعني هي أول مرة؟ إيه اللي يخليها تحدف أخوها بزهرية وتخرج وتجي لك إلا لو اتجننت.

نظرت سماء لوالدتها ووضعت يدها على كتفها وهي تقول بنبرة حادة:

– اعتبريه حصل… والناس هتقول إيه بقى.. ها قولي أنتِ يا ماما، هيقولوا بنتهم اتجننت ومفيش حد هيهوب ناحيتي ولا ناحيتها يخطبها وسامح الغلبان ده مين هترضى بيه، الناس هتخاف العيال يطلعوا مجانين لعمتهم.

نظر سامح لأمه وكأنه وجد حلًا سحريًا:

– خلاص نخليها قاعدة في البيت ومش جاي ناحيتها خالص ولا هي تيجي ناحيتي.

همت نرجس بالرد لكن تدخلت سماء بسرعة لتلقي بآخر حجر معها على أرض هذه اللعبة:

– والناس اللي شافوها في الشارع وهي نازلة وفي شغلي وكمان وهي راجعة معايا، خلاص كده هيتقال إن بنتك مجنونة يا ماما، كلام الناس هيبهدلنا وهنطلع في التلفزيون.

نظرت سماء لنرجس لترى مدى تصديقها لتلك الرواية، فكانت تعرف أن أمها لم تكن بهذا الغباء حتى تنطلي عليها أي أكاذيب لكن كانت لديها حجة مقنعة تبرر تصرف سماء، حجة حقيقية لكنها أضافت لها بعض التفاصيل:

– عارفة يا ماما سمية عملت كده ليه؟ فاكرة نسرين جارتنا اللي كانت معانا في المدرسة، جت هنا تكيد في سمية إنها هتتجوز، وفضلت بقى مستفردة بيها وتقول لها عقبالك بس هتتجوزي ازاي وأنتِ قاعدة في بيتكم لا بتشوفي حد ولا حد بيشوفك وحياتك فاضية وفضلت تعايرها.

فهمت سماء من ملامح أمها أن تلك الحجة قد انطلت عليها، ولم يكن لديها سببًا لوجود أي مخاوف كأن تذهب أمها للشجار مع نسرين مثلًا أو عتابها، فهذا العتاب يدخل تحت بند إهانة الكرامة بالنسبة لها، لذلك قامت نرجس بأمر سامح ولأول مرة أن يدخل غرفة سمية ويقوم بالاعتذار لها، والبحث عن حلول مناسبة لترضيتها وتزويجها في أقرب فرصة، لدرجة أنها فكرت في الموافقة على “العريس” الذي كان سيحضره هشام، لكنها خشت من تهديد سامح بقطيعته لها وترك المنزل، لذلك قررت سماء أن تنهي الأمر بشكل احترافي فألقت بورقة الجوكر أمامهما:

– الشركة عندنا طالبة موظفين، وسمية ممكن تيجي تشتغل معانا.

نهض سامح محتدًا:

– شغل تاني، مش كفاية أنتِ اشتغلتي ورضينا، هنسيبها هي كمان تشتغل وكل واحدة منكم تروح وتيجي على مزاجها.

– والله أنا شايفة إن ده الحل، علشان الناس تشوف سمية وتتحل عقدتها وتتجوز، لكن يعني معلش يا سامح لو اعتمدنا على أصحابك مثلًا إن حد منهم يشوف واحدة مننا وييجي يتقدم فللأسف فمش هنلاقي غير أمثال سيد وده برضه حاجة متشرفش… ولا إيه يا ماما؟

رمقها سامح بغضب، فقد جعلت أمهما تتذكر صداقته لسيد، وظلت تندب حظها في أبنائها وتعقد بعض المقارنات بينهم وبين كل من هب ودب، ثم أخبرت سماء بأن تصطحب سمية في الصباح لإلحاقها بالعمل:

– خدي أختك بكرة شغليها معاكِ.

– سمية بجد… أنا مش عارفة أقول لك إيه علشان اللي حصل، أقصد يعني… قاطعتها سمية بسؤالها: – ينفع أشتغل هنا معاكِ؟ – هزَّت سماء رأسها بعدم تصديق وأخذت تردد: – تشتغلي معانا… تشتغلي معانا… ليه لأ؟! والله فكرة، بس اسمعي قومي دلوقتي روحي البيت وبكرة اختاري فستان حلو واعملي شعرك وتعالي الضهر قابلي المدير، أكون كلمته… هو قال إنه محتاج موظفين. أومأت سمية بالموافقة وابتسمت ثم خفتت ابتسامتها بعدما تذكرت ما ينتظرها في المنزل: – أنا خايفة أرجع البيت، سامح ممكن يبهدلني هو وماما أنا خايفة أوي. نظرت لها سماء بيأس ثم لمعت داخل رأسها فكرة، فقالت لسمية: – قلتِ لي بقى سامح خاف منك لما ضربتيه! – يا خبر! ده اترعب وجري، وفضل ينده على ماما ولما ملقهاش خرج من البيت خالص. – حلو أوي ده… استمري على كده بقى. – مش فاهمة! يعني أضربه تاني؟ لأ، أخاف. أشاحت سماء بوجهها ثم عادت تنظر من جديد لشقيقتها وتشرح لها خطتها: – اسمعي… مش هتضربي حد، لكن هتخليه يخاف منك زي ما عملتِ النهاردة، والله بقى فهميهم إنك اتجننتِ ولا حتى اتلبستِ مش مهم وسيبي الباقي عليَّ. استمرت سماء في شرح مخطط الجنون الذي ستنفذه سمية، وأخبرتها أن عقلية والدتهما وشقيقهما ستتقبل الأمر نظرًا لعدة أسباب ستقوم سماء بإيضاحها فيما بعد إن نجحت سماء في إتقان دورها. وصلتا للمنزل وانتظرت سمية أسفله بينما صعدت سماء ودخلت من باب الشقة تستطلع حالة سامح ونرجس، فوجدتهما على صفيح ساخن ينتظران سمية للانقضاض عليها، أخرجت هاتفها وأرسلت رسالة إلى شقيقتها التي ترتعد وتتمنى بأن يصير ذلك كله كابوسًا، أخبرتها أن تصعد، ودخلت سمية من باب الشقة في حالة مريبة جعلت سامح يتراجع بعدما كان قد تقدم إليها
ليسحبها من شعرها، فقد كانت تنظر له مبرقة العينين ووجه جامد وشعرها مهوش، وقفت تنظر له بهذه الهيئة لمدة دقيقة، ثم اقتربت منه بخطى ثابتة وكأنها ستهجم عليه من جديد لكنها استدارت من أمامه وعادت إلى غرفتها تتنفس الصعداء بعدما أغلقت بابها. جلست سماء بجوار نرجس التي كانت تنظر لها بريبة، في عينيها الكثير من الأسئلة، بينما سماء تزم شفتيها وتحاول إثارة مشاعر أمها، ليست مشاعر الشفقة على سمية بل مشاعر الخوف… الخوف من والقيل والقال واللغط الذي سيحدث إن عرف الناس أن نرجس لديها ابنة مجنونة تهجمت على أخيها وربما تتهجم على الآخرين، كانت عكس بقية إخوتها تتفهم جيدًا عن نرجسية أمها فقد قرأت عن هذا الاضطراب وطبقت كل ما قرأته على علاقتها بها وبشقيقها، دائمًا تجد المدخل المناسب لتسخير أمها وتنفيذ طلباتها، وتجعلها تشعر في نفس الوقت أنها صاحبة القرار، لم تكن تدخل في صدام معها كما كانت تفعل سلمى، ولا تستسلم وتبكي كما اعتادت سمية لتجعلها تتغذى على مشاعر القهر التي لديها، بل كانت تستخدم الحيلة وتعرف نقاط الضعف لدى أمها وتستغلها لصالحها، تعرف جيدًا أن سامح هو الأكثر قربًا من نرجس لأنه يشبهها تمامًا، لا تعرف إن كان هذا التشابه بمحض الصدفة أم أنها أعدته ليكون خليفتها في هذا الأمر، ويكمل المسيرة من بعدها، تسرح بخيالها أحيانًا في مستقبل سامح وحياته إن تزوج، هل يمكن أن يرتبط بفتاة تقهره أم ستتكرر تلك المأساة من جديد، لدرجة أنها كانت تدعو الله أحيانًا أن يظل سامح رجل أعزب طوال حياته، لذلك كانت تعرف الخطة التي ستجعل نرجس توافق على أي طلب بخصوص سمية، فاقتربت منها وبدأت تسرد لها بتأثر
شديد قصة وهمية من نسج خيالها كأنها حدثت بالفعل: – النهاردة سمية جات لي الشغل وكان شعرها منكوش وشكلها غريب وعمالة تعيط وقالت لي إن سامح ضربها وخافت منه وجريت على الشارع. نهض سامح منفعلًا وهو ينفي عن نفسه ما يقال: – أنا؟ الكذابة دي كانت هتقتلني و… شعر سامح بالإحراج من أنه هرب من سمية خوفًا منها فأثر الصمت، بينما أكملت نرجس بدلًا منه: – حتى لو ضربها يعني هي أول مرة؟ إيه اللي يخليها تحدف أخوها بزهرية وتخرج وتجي لك إلا لو اتجننت. نظرت سماء لوالدتها ووضعت يدها على كتفها وهي تقول بنبرة حادة: – اعتبريه حصل… والناس هتقول إيه بقى.. ها قولي أنتِ يا ماما، هيقولوا بنتهم اتجننت ومفيش حد هيهوب ناحيتي ولا ناحيتها يخطبها وسامح الغلبان ده مين هترضى بيه، الناس هتخاف العيال يطلعوا مجانين لعمتهم. نظر سامح لأمه وكأنه وجد حلًا سحريًا: – خلاص نخليها قاعدة في البيت ومش جاي ناحيتها خالص ولا هي تيجي ناحيتي. همت نرجس بالرد لكن تدخلت سماء بسرعة لتلقي بآخر حجر معها على أرض هذه اللعبة: – والناس اللي شافوها في الشارع وهي نازلة وفي شغلي وكمان وهي راجعة معايا، خلاص كده هيتقال إن بنتك مجنونة يا ماما، كلام الناس هيبهدلنا وهنطلع في التلفزيون. نظرت سماء لنرجس لترى مدى تصديقها لتلك الرواية، فكانت تعرف أن أمها لم تكن بهذا الغباء حتى تنطلي عليها أي أكاذيب لكن كانت لديها حجة مقنعة تبرر تصرف سماء، حجة حقيقية لكنها أضافت لها بعض التفاصيل: – عارفة يا ماما سمية عملت كده ليه؟ فاكرة نسرين جارتنا اللي كانت معانا في المدرسة، جت هنا تكيد في سمية إنها هتتجوز، وفضلت بقى مستفردة بيها وتقول لها عقبالك بس هتتجوزي ازاي وأنتِ قاعدة في بيتكم لا بتشوفي حد ولا حد بيشوفك وحياتك فاضية وفضلت تعايرها. فهمت سماء من ملامح أمها أن تلك الحجة قد انطلت عليها، ولم يكن لديها سببًا لوجود أي مخاوف كأن تذهب أمها للشجار مع نسرين مثلًا أو عتابها، فهذا العتاب يدخل تحت بند إهانة الكرامة بالنسبة لها، لذلك قامت نرجس بأمر سامح ولأول مرة أن يدخل غرفة سمية ويقوم بالاعتذار لها، والبحث عن حلول مناسبة لترضيتها وتزويجها في أقرب فرصة، لدرجة أنها فكرت في الموافقة على “العريس” الذي كان سيحضره هشام، لكنها خشت من تهديد سامح بقطيعته لها وترك المنزل، لذلك قررت سماء أن تنهي الأمر بشكل احترافي فألقت بورقة الجوكر أمامهما: – الشركة عندنا طالبة موظفين، وسمية ممكن تيجي تشتغل معانا. نهض سامح محتدًا: – شغل تاني، مش كفاية أنتِ اشتغلتي ورضينا، هنسيبها هي كمان تشتغل وكل واحدة منكم تروح وتيجي على مزاجها. – والله أنا شايفة إن ده الحل، علشان الناس تشوف سمية وتتحل عقدتها وتتجوز، لكن يعني معلش يا سامح لو اعتمدنا على أصحابك مثلًا إن حد منهم يشوف واحدة مننا وييجي يتقدم فللأسف فمش هنلاقي غير أمثال سيد وده برضه حاجة متشرفش… ولا إيه يا ماما؟ رمقها سامح بغضب، فقد جعلت أمهما تتذكر صداقته لسيد، وظلت تندب حظها في أبنائها وتعقد بعض المقارنات بينهم وبين كل من هب ودب، ثم أخبرت سماء بأن تصطحب سمية في الصباح لإلحاقها بالعمل: – خدي أختك بكرة شغليها معاكِ.
تم نسخ الرابط