كريم كرامل
أرسلتها، ثم مسحت كل شيء وصل منه أو أرسلته هي، ولم تضع الهاتف على الشاحن، ليظل مفصولًا ليلة كاملة، شاعرة براحة كبيرة لإبعاده عن مرمى حياة ابنتها.
***
تحرك “محمود” في غرفته ذهابًا وإيابًا بجنون بعدما وصله تلك الرسالة، هامسًا بغضب ناري:
-بالسرعة دي تتخلي عني يا سمر، بالسهولة دي!!
دخل والده إلى الغرفة وهو يحمل كوب عصير ليهدئ ابنه الثائر منذ اللحظة التي علم فيها بذلك الخبر المشؤوم.
-خد يا أبني، اشرب واهدا كل حاجة وليها حل.
التفت إلى والده يحدجه بغضب وقهر:
-إلا دي يا بابا ملهاش حل تاني، اشمعنا حظي كده، البنت اللي حبتها تطلع اختي دون عن بنات الكون كله!! أنا هتجنن، هيجرالي حاجة.
جلس والده على طرف الفراش وهو يقول بهدوء يناقض ثوران ابنه:
-أنا قعدت فكرت وملقتش إلا حل واحد، ونزلت في المنطقة وسألتلك على جوز ليلى الله يرحمها، وعرفت عنوانه بس مفيش حد معاه رقم تليفونه للأسف لانه ساب المنطقة من زمان، ورجع قعد في الصعيد مع ابنه عشان أهله يربوه بعد ما ليلى ماتت وبيقولوا أنه اتجوز هناك كمان.
شعر بالتيه وهو ينظر إلى أبيه، الذي تفهم حالته وأوضح مغزى حديثه:
-خد بعضك واطلع على العنوان ده….
أخرج ورقة من جيب قميصه وأعطاها إلى محمود الذي تمسك بها وكأنها طوق نجاته، فاستكمل والده برزانة:
-روح اسأل عبده جوز ليلى وان شاء الله يكون عنده الإجابة اللي تريحه.
هز محمود رأسه موافقًا رأيه، فبدا كالغريق حينما يتشبث بقشة لإنقاذه من غرقه الوشيك.
***
بعد مرور يوم كامل، استطاع محمود الوصول إلى العنوان الصحيح لعبده، بعد أن غير الأخير محل إقامته عدة مرات في القرية التي يقطن بها في إحدى مناطق أسيوط.
وبعد ترحيب طويل من قِبَل عبده بمحمود، عندما علم
-وبس يا عم عبده، فأنا كنت عايز أتأكد منك فعلاً هو أنا فعلاً رضعت وأنا صغير من أمل أم سمر؟
تنهد “عبده” بهدوء وهو يقول بنبرة واثقة:
-انت مارضعتش إلا من ليلى الله يرحمها، يا ابني إذا كان وقتها أمل خاصمت ليلى في الفترة دي، ومكنتش بتكلمها، وكمان أنت كنت مقيم معانا التلت أيام مسبتش السرير بتاعي.
لمعت عيناه بوميض السعادة وقال بلهفة:
-يعني كده سمر مش أختي، وأمل أمها بتألف؟
-أيوه، أنا أصلا مستغرب هي بتقول ليه كده، أنا فاكر كويس الفترة دي، ليلى الله يرحمها كانت نفسيتها تعبانة من خصام أختها ليها، وأنت كنت من ايدها لايدي لأيد نرجس، عشان كنت على صرخة واحدة.
-نرجس مين؟!
ارتشف عبده رشفة شاي ثم أجاب بهدوء:
-نرجس تبقى صاحبة ليلى وأمل من صغرهم وكانت من منطقة تانية بس كانت بتيجي تقضي يومين عندنا كل فترة وجت وقتها وحاولت تهدي الدنيا بين أمل وليلى بس أمل ركبت دماغها ورفضت، فزعلت منها هي كمان، يا عم لو مش مصدقني اسأل نرجس.
ابتسم “محمود” بسعادة وهو يحرك رأسه موافقًا:
-طيب يا ريت قولي هي ساكنة فين.
-هي ساكنة في آآ….
تذكر أمر هام كان غائبًا عن عقله، فقال بحرج:
-معلش يا محمود أنا نسيت إنها سافرت السعودية مع ابنها والله.
اندثر الأمل المنبثق من عيني محمود بين طيات إحباطه، فقال:
-وماتعرفش رقم تليفون ليها طيب؟
حرك رأسه بنفي وهو يردف:
-لا يابني أصل الموضوع ده من زمان، كل اللي اعرفه ابنها شغال في شركة معايا أسمها عشان كنا عايزين نشغل ابن اخويا فيها بس للأسف مانفعش.
شعر محمود بإحباط شديد، وأنهى اللقاء المثمر إلى حد ما مع عبده، لكنه سرعان ما عاد إليه، قائلًا بنبرة مضطربة، بدا معها كمن يبحث عن طريق للفرار من مصير موصوم بالقهر!
-معاك عنوان الشركة اللي ابنها بيشتغل فيها!!
ضيق عبده عينيه متذكرًا وهو يقول:
-ثواني هدخل ادورلك جوه في الأجندة القديمة.
***
مرَّ يومٌ كاملٌ على هذا اللقاء المتعب جسديًا له، لكن ظلام اكتئابه بدأ في الاندثار بعدما سطعت شمس حياته وظهرت بهيئتها الخاطفة، التي تشبه تلك الحلوى التي تصنعها، ذات المذاق اللذيذ.
اقترب من سمر قائلًا بعتاب:
-مابترديش عليا ليه؟!
هزت كتفيها بلا مبالاة قصدت إظهارها له:
-عادي مش فاضية يا محمود.
أرسلتها، ثم مسحت كل شيء وصل منه أو أرسلته هي، ولم تضع الهاتف على الشاحن، ليظل مفصولًا ليلة كاملة، شاعرة براحة كبيرة لإبعاده عن مرمى حياة ابنتها. *** تحرك “محمود” في غرفته ذهابًا وإيابًا بجنون بعدما وصله تلك الرسالة، هامسًا بغضب ناري: -بالسرعة دي تتخلي عني يا سمر، بالسهولة دي!! دخل والده إلى الغرفة وهو يحمل كوب عصير ليهدئ ابنه الثائر منذ اللحظة التي علم فيها بذلك الخبر المشؤوم. -خد يا أبني، اشرب واهدا كل حاجة وليها حل. التفت إلى والده يحدجه بغضب وقهر: -إلا دي يا بابا ملهاش حل تاني، اشمعنا حظي كده، البنت اللي حبتها تطلع اختي دون عن بنات الكون كله!! أنا هتجنن، هيجرالي حاجة. جلس والده على طرف الفراش وهو يقول بهدوء يناقض ثوران ابنه: -أنا قعدت فكرت وملقتش إلا حل واحد، ونزلت في المنطقة وسألتلك على جوز ليلى الله يرحمها، وعرفت عنوانه بس مفيش حد معاه رقم تليفونه للأسف لانه ساب المنطقة من زمان، ورجع قعد في الصعيد مع ابنه عشان أهله يربوه بعد ما ليلى ماتت وبيقولوا أنه اتجوز هناك كمان. شعر بالتيه وهو ينظر إلى أبيه، الذي تفهم حالته وأوضح مغزى حديثه: -خد بعضك واطلع على العنوان ده…. أخرج ورقة من جيب قميصه وأعطاها إلى محمود الذي تمسك بها وكأنها طوق نجاته، فاستكمل والده برزانة: -روح اسأل عبده جوز ليلى وان شاء الله يكون عنده الإجابة اللي تريحه. هز محمود رأسه موافقًا رأيه، فبدا كالغريق حينما يتشبث بقشة لإنقاذه من غرقه الوشيك. *** بعد مرور يوم كامل، استطاع محمود الوصول إلى العنوان الصحيح لعبده، بعد أن غير الأخير محل إقامته عدة مرات في القرية التي يقطن بها في إحدى مناطق أسيوط. وبعد ترحيب طويل من قِبَل عبده بمحمود، عندما علم