أجمل صدفة
لم أعرف كيف أخبرها بمعاناتي مع الهلاوس، قدرتي على الحَكي أيضًا غير جيدة، كل ما أجيده هو كتابة الشعر، لذلك أثرت الصمت فقلت لها:
– آسف، مش قصدي حاجة.. بس كنت عاوز أشوفك تاني وأتطمن إنك بخير.
شعرت بارتباكها مما قلته، فقد أحكمت قبضتها على الحقيبة، وشعرت بتهدج أنفاسها، ربما أيضًا خُيِّل إليَّ أنني سمعت صوت دقات قلبها المرتفعة، خشيت أن تظن أنني أحاول استغلالها بسبب معرفتي عن ماضيها فقلت متفاديًا سوء التفاهم الذي يمكن أن يحدث:
– أقصد يعني علشان…
شعرت بالارتباك أيضًا فلم يكن ضروريًا أن أخبرها برغبتي في الاطمئان عليها، لو باستطاعتي العودة بالزمن ومحو ما قلته من ذاكرتها لفعلت، لكني لم أقل شيئًا وجلست صامتًا لكنها كادت تبادر بالنهوض والانصراف، فوجدت نفسي أقبض بقوة على يديها وأتوسل لها أن تجلس مرة أخرى، كانت تنظر لي مصدومة من تصرفي، وأقسم أن لو كانت بكامل قوتها لأعطتني صفعة أستحقها، لكن كل ما فعلته أنها أفلتت يدها من يدي وقالت:
– على فكرة أنا مش هاجي المكان ده تاني، ومتجيش ورايا علشان المرة دي هاطلب لك البوليس.
نهضت خلفها وظللت أعتذر حتى قبلت اعتذاري بشرط إخبارها سبب بحثي عنها، جلسنا متجاورين مرة أخرى وبدت وكأنها تستجوبني:
– عاوزة أعرف كنت عاوز مني إيه؟ فاكرني مصدومة عاطفيًا وأي واحد هيضحك عليَّ بكلمتين هاصدقه؟
كنت أود الرد على إهانتها لي لكني أشفقت على حالها، لا ضير من إخبارها عمومًا فقد شاركتني سرها دون أن تعرفني، وربما يصدق حدسي وتكون رؤيتها مجرد هلاوس بالفعل لذلك سأخبرها:
– الحقيقة أنا بيجيلي تهيؤات، يعني مش عارف بالظبط بس ساعات بيحصل لي حاجات أو أشوف حاجات وبعدين تطلع مش حقيقية، علشان كده لما شُفتك
– مجنون يعني؟
سألت عن ذلك بعفوية، أعرف أنها لم تقصد الإهانة لذلك ابتسمت ونفيت الأمر، وبدأت أخبرها بتاريخي مع هذه الحالة وذهابي للطبيب النفسي الذي أخبرني أن تلك الحالة سببها معاناتي من الوحدة، لذلك آتي إلى هذه الحديقة دائمًا حيث كنت دائم التواجد فيها مع أسرتي في طفولتي قبل أن يتوفى والداي، ويتزوج شقيقي ويهاجر بلا عودة، لا أعرف كيف بعد ذلك صار حديثنا، فبدأت أخبرها عن طفولتي، وعن وظيفتي، وعن حبي لكتابة الشِعر، ثم قرأت لها بعضًا من قصائدي التي لم تثير إعجابها وأخبرتني أنها مجرد هُراء، كانت تضحك على طريقة أدائي للقصائد دون أن يزعجني ذلك، شعرت بعد قليل من الوقت بارتياحها في جلستها، أرخت قبضتها من على الحقيبة وهدأ تنفسها، تمنيت بداخلي ألا يكون خيالي قد صنعها ليخفف من وحدتي.
طالت جلستنا لدرجة أننا لم نشعر باقتراب الغروب، أخبرتني أنها تحب صلاح جاهين وتشعر بحزن لا تدري سببه عندما تستمع له وهو يلقي كلمات “الشوارع حواديت” مع موسيقى هاني شنودة، كانت تتساءل إن كان سبب الحزن هو صوت جاهين أم تلك الموسيقى التي تثير الشجون، لم أستطع أن أجيبها فقد كنت أنظر لعينيها الدامعتين وهي تتحدث، كانت لدي رغبة عارمة في أن أحتضنها، كنت أود أن أربت على ظهرها وأتركها تبكي براحة، لكني لم أستطع، شعرت بالخوف من أن تظن أن لدي رغبة أخرى، لم أشأ أن تتصور عني أنني كهذا الشخص الذي أخبرتني عنه من قبل، ظلت تحكي لي عن طفولتها وهواياتها، شعرت في ساعات قليلة قضيناها معًا أنها صديقتي المقربة.
نظرت فجأة في ساعة يدها وانتبهت لمرور الوقت، فنهضت ومدت يدها لتصافحني:
– ألف سلامة عليك من الجنان.
مددت لها يدي وابتسمت ونظرت لها وأنا أتساءل في نفسي، كيف لهذا الوغد أن يكون بهذه الوقاحة مع فتاة مثلها، لكني مقتنع أنه قد ذهب إلى الفتاة التي يستحقها بغض النظر عن مبرراته ومعاييره في الحب، فتاة خانت صديقتها وحبيب خان حبيبته سيجتمعان كثنائي مناسب وهذه هي العدالة.
أفقت من شرودي وهي تسحب يدها من يدي وتقول بابتسامة:
– لسه فاكرني تهيؤات؟
تنهدت وأنا لا زلت أحافظ على ابتسامتي:
– أتمنى تبقي حقيقة مش تهيؤات.
نظرت لي بنظرة شعرت فيها بالامتنان، ربما جعلتها كلماتي تشعر بعودة بعضًا من ثقتها في نفسها من جديد، طلبت مني أن أخرج بعد مغادرتها بعشر دقائق ووافقت على الفور بالطبع لكن قبل أن تتركني سألتها:
– مش هاشوفك تاني؟
رفعت حاجبيها ثم نظرت إلى السماء وكأنها تفكر:
– لو بتيجي هنا كتير يبقى احتمال نتقابل تاني.
-طيب أنا برضه عاوز أعرف اسمك إيه؟
– ممكن تقول إن اسمي صدفة.
ضحكت ساخرًا من اختيارها لاسم مزيف يتناسب تمامًا مع لقاءنا المتكرر بهذا الشكل وأنا أتمتم بعدما غادرت وابتعدت:
– صُدفة… زي ما اتقابلنا كده.
مر أسبوع كامل على لقائي مع صدفة كما اختارت أن أناديها، كنت أفكر فيها وفي حديثها معي، كتبت فيها قصيدة قررت أن ألقيها على أمامها عند لقاءنا القادم، قصيدة لا تتحدث عنها بشكل مباشر، لكنها تتحدث عن لقاءنا معًا، لكنها لم تأتِ، كدت أجن من الانتظار وخفت حماسي وأصبحت أفكر من جديد.. ماذا لو كانت صدفة هلاوس، وقررت أن لقاءنا القادم لن ينتهي إلا بعد أن أحصل على رقم هاتفها، وعنوان منزلها، بل ووصل جنوني إلى رغبتي في تصويرها خُلْسَة وسؤال أحدهم إن كان يراها في الصورة بالفعل، لكنها خذلتني ولم تحضر اليوم أيضًا.
أيام أخرى مرَّت والفضول يقتلني، متى سأراكِ يا صدفة؟
وأخيرًا أتت.. كانت تسير متمهلة كعادتها، لا تبحث عني، غير متلفهة لرؤيتي، شعرت بالغضب، نهضت من مكاني مسرعًا إليها، ابتسمت عندما رأتني مما خفف حدة غضبي قليلًا، وقفت أمامها أسألها دون أن أقوم بتحيتها حتى:
– ممكن أفهم كنتِ مبتجيش ليه؟
– كان عندي امتحانات وبابا كان تعبان، وبعدين هو أنت كنت منتظرني؟
ألم تشتاق لرؤيتي وتتلهف للقائي حقًا!
أصابني ردها بالإحباط فخفت حماسي من جديد وقلت:
– هو مش احنا كنا متفقين نتقابل هنا صدفة؟
– وهو فيه صدفة بالاتفاق؟
– مش بالظبط لكن أنا طلبت أشوفك تاني، وأنتِ مرفضتيش.
– بس موافقتش؟
ردودها كانت مقتضبة ومستفزة، لكني كنت أحاول قدر الإمكان أن أنتقي كلماتي كي لا أجرحها:
– صدفة، أنتِ بتلعبي بيَّ؟
– ليه بتقول كده.. أنا عملت إيه بس؟
– أنتِ مش عارفة أنا مريت بإيه الفترة اللي فاتت، أنا كنت فقدت الأمل إني أشوفك تاني، ومبقتش عارف.. بقيت محتار أنا قابلتك فعلًا ولا دي أوهامي وعقلي لعب بيَّ تاني.
ربتت على كتفي بيدها، لم تفهم أبدًا وقع هذه الفعلة على قلبي، لم أتذكر أن أحدهم قد فعلها معي من قبل، هدأ غضبي وانطفأت ثورتي وخمدت، لا أعرف لما استنتجت من صمتي أنني سوف أوبخها، ربما كان يفعلها هذا الوغد كلما أغضبته… لما لا زلت أتذكره؟
وجدتها تسحبني من يدي كطفل صغير أضاع أمه في الزحام، يبكي خوفًا وحزنًا ثم ظهرت له من العدم، وانتشلته لتطمئنه بعيدًا عن الضجيج الذي يخيفه، جلست بجواري وأخذت في طمأنتني:
– أنا آسفة والله متزعلش، كنت عاوزة آجي حقيقي بس غصب عني، أنا متخيلتش إنك هتبقى مستنيني بالطريقة دي.
كنت أشعر بالتوتر، ومُحرجًا بما فيه الكفاية من تصرفي هذا أمامها لكن يبدو أنها كانت متفهمة للغاية فصمتت لتتركني أستعيد توازني من جديد، وأخرجت من حقيبتها زجاجة صغيرة من المياه وأعطتني إياها، مما أربكني أكثر فلست معتادًا على أن يهتم بي أحد منذ فترة طويلة، نظرت لها وقلت:
– أنا محتاج أعرف عنك أكتر، يعني ممكن أعرف رقم تليفونك على الأقل، نتقابل بميعاد بدل الانتظار، لو حد مننا عنده حاجة تمنعه يعتذر.
– خلينا نتقابل بكرة الساعة 3 هنا طيب.
– ليه مش النهارده يعني؟
– أنا لازم أمشي علشان بابا لوحده، وأوعدك بكرة هاجي ونتكلم كتير، بس بكرة ضروري متنساش.
غادرت مسرعة متجهة نحو بوابة الخروج، لا أدري لما تركت نظري معلقًا عليها حتى اختفت من أمامي، كنت أشعر براحة كبيرة بعدما علمت أنني سأراها غدًا في موعد محدد، وبالتفكير لبعض الوقت لا أعرف ما هو مستقبل هذه العلاقة، لكنني أظن أن هذه الفتاة سيكون لها وجود بشكل ما في حياتي، ربما صديقة ألجأ لها في أوقات الحزن والفرح، تشاركني لحظات حياتي التي لم يشاركني فيها أحد لزمن طويل، يأتيني اتصال منها لتطلب مني المساعدة في أمر ما، وربما تصبح زوجتي التي تسر عيني برؤيتها بعدما أعود إلى المنزل، أو نعود في نفس التوقيت بعد يوم عمل طويل مررنا به، يحكي فيه كل منا للآخر تفاصيله ونحن نتناول طعام الغداء الذي سنعده معًا، ثم نخرج مساء يوم العُطلة لشراء مستلزمات المنزل والتمشية قليلًا، تلك الحياة التي أذهب لمشاهدتها كمتفرج في الحدائق والأسواق، لأعود وأدونها في قصيدة بائسة لا يقرؤها سواي.
نهضت متجهًا إلى بوابة الخروج بعد مغادرة صُدفة كنت أشعر أن الوقت يمر ببطء، متى يأتي الغد؟
قررت أن أصل إلى منزلي سيرًا حتى أضيع الوقت في أي شيء بدلًا من ملل الانتظار لكن فجأة أصابني دوار مفاجيء وسقطت أرضًا، كنت أقاوم السقوط وأحاول ألا تسدل عيناي جفونها أمام الحياة لكني فشلت، لا أدري كم ساعة مرَّت على وجودي في هذا المشفى، لكني أفقت أخيرًا، ما زلت حيًا، أخبرني الطبيب أنني أُصبت بإجهاد بالغ وأحتاج أن أمكث في المشفى عدة أيام.
لا أطيق اللون الأبيض، لذلك رفضت بشدة وكنت أقاوم الطبيب وهو يحاول منعي من النهوض، لكني لم أستطع المقاومة فسقطت من جديد، شعور الدوار ظل ملازمًا لي عدة أيام، لا أعرف ما الذي تظنه صُدفة عني الآن، هل تلعنني، هل ستحيي ذكرى وفاتي كما فعلت مع حسام؟
مر يومان على إقامتي بغرفة صغيرة يغلب عليها اللون الأبيض داخل المشفى، خرجت منها مسرعًا لأعيد كَرَّة الانتظار، توقفت السيارة في المكان الذي وَجَّهت السائق أن يُوصلني إليه… لكن هناك شيء مختلف هذه المرة… أين اختفت الحديقة؟
فركت عيني لأتحقق من الكارثة التي آراها أمامي، أتمنى أن تكون الهلاوس والخيالات قد تَمكنت مني هذه المرة… فقط هذه المرة، فقد تمت إزالة الحديقة بالكامل وهناك الكثير من أعمال الحفر ومعدات البناء، تذكرت أن صدفة أخبرتني في لقائي الأول معها أن الحديقة في طريقها للإزالة لإقامة سوق تجاري ضخم.
نظرت حولي أبحث عن صُدفة لعلها تكون منتظرة في مكانٍ ما، لكني لم أجدها، وقفت قليلًا أُفكر فيما يجب عليَّ فعله… كيف أجد صُدفة من جديد؟
عُدت لمنزلي بعد ساعات من الانتظار أمام أنقاض الحديقة، تلاعبت بي الأفكار، لا أعرف إن كانت أتت في الموعد أم أن هناك شيئًا ما قد أعاقها، ربما لم تذهب حتى الآن ولا تعلم بأمر الإزالة لذلك قررت الذهاب يوميًا والتواجد في محيط الحديقة، فربما أصادفها ولو لمرة.
مَرَّت الشهور متتابعة، كنت مقتنعًا بأن الأيام لديها تلك القدرة الخارقة على محو الذكريات وطمس أثارهم من حياتنا، لكني لم أكن أعلم أن الأمر لابد وأن يكون نابعًا من داخلنا، لم أستطع أن أنسى صدفة، رغم أن عدد مرات ذهابي لانتظارها قد تضاءلت، وأخشى أن أتوقف ذات يوم، لكنها لا تنفك أن تظهر في أحلامي، تؤنبني تارة وتعدني بلقاء جديد تارة أخرى، عزائي الوحيد أنني توقفت عن رؤية الهلاوس والخيالات، وأظن أن السبب هو انشغال عقلي وتفكيري بهذه الفتاة التي لا أعرف عنها سوى اسمها المزيف، كانت حياتي تسير على وتيرة مستقرة لا تخلو من سقوطي في شباك الوحدة أحيانًا ولا تنقذني منها غير صورة صدفة.
ذات صباح قررت ألا أذهب إلى عملي، كنت أشعر بالإرهاق ولم يكن لديَّ الرغبة في فعل شيء سوى التسكع، لم أفعلها منذ أن رأيت أنقاض الحديقة وأنقاض علاقتي التي لم تبدأ، كنت أسير بين الشوارع الضيقة مرورًا بشوارع أوسع حتى وجدت نفسي أمام الحديقة، وكأن قدماي قد تم ضبطهما على السير إلى هذا المكان، لم يعد للحديقة أو لأنقاضها أي أثر وقد حل مكانها مبنىً ضخمًا من عدة طوابق، اتجهت إلى بوابات الدخول وبدأت بالتسكع داخل المبنى، نفس الأرض التي كنت أسير عليها لكنها بمعالم مختلفة تمامًا، لا أشجار ولا مقاعد ولا طيور، بل متاجر في كل جانب، زحامًا سخيفًا مزعجًا لم يشهده هذا المكان حينما كان أجمل، وجدت نفسي أقف أمام واجهة متجر كبير يبدو أنه أحد فروع مكتبة شهيرة، دخلت للاطلاع على بعض دواوين الشعر، ربما تُحفِّزني القراءة لمعاودة كتابة القصائد التي توقفت عنها، وقفت أمام الرفوف أنظر إلى الإصدارات في حيرة، حتى سمعت أحدهم يسألني:
– تحب أساعد حضرتك بترشيحات؟
التفت لأرجو صاحب الصوت أن يساعدني، فأمام الكُتُب يصيبني التردد والخوف:
– من فضلِك أنا…
انعقد لساني من جديد، إنها هي… صُدفة مرة أخرى أمامي بعد كل هذا الوقت وبعد أن فقدت الأمل في لقاءها، وكدت أروض نفسي على التفكير فيها، هي الآن أمامي من جديد تبتسم كما اعتدتها، ترتدي زيًا حُفِرَ عليه شِعار المكتبة، لم أستطع أن أتفوه ولو بحرف كنت فقط أنظر إليها وأنا أخشى أن أشيح بنظري عنها فتختفي، انصرفت من أمامي بسرعة لتقوم بمساعدة أحد الزبائن ثم عادت إليَّ ودَسَّت ورقة في يدي وأخبرتني أن أنتظرها في المقهى المقابل للمكتبة:
– ده رقم تليفوني، تستناني هناك ومتتحركش غير لما أجيلك.
قلت كالمُغَيَّب:
– حاضر.
وضعت الورقة داخل محفظتي بعد أن حفظت الرقم جيدًا تحسبًا لضياعها، وجلست أنتظر، وما هي إلا دقائق حتى أتت إليَّ وجلست أمامي تنظر لي مبتسمة:
– أخيرًا جيت؟
كنت متعجبًا من التغيُّر الواضح والانطلاق الذي بدى جليًا على شخصيتها فقلت:
– اتغيرتِ أوي.
ضحكت وهي تقول لي وكأنها تؤنبني:
-الزمن بقى.
فهمت ما ترمي إليه وأخذت أشرح لها ما حدث لي بعدما تقابلنا آخر مرة، كانت تستمع وهي في غاية التأثر، أخبرتني أنها أتت وانتظرتني دون جدوى، وعادت في اليوم التالي فوجدت الحديقة أغلقت إلى الأبد، قررت نسياني والمضي في حياتها مع انتظار صدفة أخرى تجمعنا من جديد، أنهت دراستها، وعلمت أن أحد المكتبات تطلب موظفين جدد لأحد فروعها في سوق تجاري حديث الإنشاء، التحقت بالعمل على أمل أن تقابلني من جديد معتمدة على فطنتي، لا تعلم أنني أحمق كنت أفكر في نسيانها ولم تخطر لي فكرة زيارة هذا المكان سوى اليوم، كنت أحاول أن أنساها.
ضحكت غير مصدقًا كل ما مررنا به… كيف تقابلنا وكيف باعدتنا الظروف ثم عدنا من جديد؟ كان سؤالًا واحدًا فقط الذي أريد إجابته:
– مش ناوية تقولي لي اسمك الحقيقي إيه؟
ابتسمت بخفة وهي تُشير إلى “شارة الاسم” المعلقة على ردائها:
– بدأت أشك في قدراتك العقلية لأني قلت لك قبل كده.
نظرت إلى الشارة لأجد أنه قد حُفِرَ عليها اسم صُدفة.
لم أعرف كيف أخبرها بمعاناتي مع الهلاوس، قدرتي على الحَكي أيضًا غير جيدة، كل ما أجيده هو كتابة الشعر، لذلك أثرت الصمت فقلت لها: – آسف، مش قصدي حاجة.. بس كنت عاوز أشوفك تاني وأتطمن إنك بخير. شعرت بارتباكها مما قلته، فقد أحكمت قبضتها على الحقيبة، وشعرت بتهدج أنفاسها، ربما أيضًا خُيِّل إليَّ أنني سمعت صوت دقات قلبها المرتفعة، خشيت أن تظن أنني أحاول استغلالها بسبب معرفتي عن ماضيها فقلت متفاديًا سوء التفاهم الذي يمكن أن يحدث: – أقصد يعني علشان… شعرت بالارتباك أيضًا فلم يكن ضروريًا أن أخبرها برغبتي في الاطمئان عليها، لو باستطاعتي العودة بالزمن ومحو ما قلته من ذاكرتها لفعلت، لكني لم أقل شيئًا وجلست صامتًا لكنها كادت تبادر بالنهوض والانصراف، فوجدت نفسي أقبض بقوة على يديها وأتوسل لها أن تجلس مرة أخرى، كانت تنظر لي مصدومة من تصرفي، وأقسم أن لو كانت بكامل قوتها لأعطتني صفعة أستحقها، لكن كل ما فعلته أنها أفلتت يدها من يدي وقالت: – على فكرة أنا مش هاجي المكان ده تاني، ومتجيش ورايا علشان المرة دي هاطلب لك البوليس. نهضت خلفها وظللت أعتذر حتى قبلت اعتذاري بشرط إخبارها سبب بحثي عنها، جلسنا متجاورين مرة أخرى وبدت وكأنها تستجوبني: – عاوزة أعرف كنت عاوز مني إيه؟ فاكرني مصدومة عاطفيًا وأي واحد هيضحك عليَّ بكلمتين هاصدقه؟ كنت أود الرد على إهانتها لي لكني أشفقت على حالها، لا ضير من إخبارها عمومًا فقد شاركتني سرها دون أن تعرفني، وربما يصدق حدسي وتكون رؤيتها مجرد هلاوس بالفعل لذلك سأخبرها: – الحقيقة أنا بيجيلي تهيؤات، يعني مش عارف بالظبط بس ساعات بيحصل لي حاجات أو أشوف حاجات وبعدين تطلع مش حقيقية، علشان كده لما شُفتك